علي بن محمد البغدادي الماوردي

347

أدب الدنيا والدين

والاغضاء عن هذا أوجب وان لم تكن المكافأة ذنبا لأنه قد رأى عقبى إساءته فإن وأصل الشر واصلته المكافأة . وقد قيل : باعتزالك الشر يعتزلك وبحسن النّصفة « 1 » يكون المواصلون . وقال بعض الحكماء : من كنت سببا لبلائه وجب عليك التلطف له في علاجه من دائه . وقد قال أوس ابن حجر : إذا كنت لم تعرض عن الجهل والخنا * أصبت حليما أو أصابك جاهل والحال الثانية أن يكون عدوّا قد استحكمت شحناؤه واستوعرت « 2 » سراؤه واستخشنت ضراؤه فهو يتربص بدوائر السوء انتهاز فرصه ويتجرع بهمانة العجز مرارة غصصه فإذا ظفر بنائبة ساعدها وإذا شاهد نعمة عاندها فالبعد منه حذرا اسلم والكف عنه متاركة أغنم فإنه لا يسلم من عواقب شره ولا يفلت من غوائل مكره . وقد قالت الحكماء : لا تعرّضنّ لعدوّك في دولته فإذا زالت كفيت شره . وقال لقمان لابنه : يا بني كذب من قال إن الشر بالشر يطفأ فإن كان صادقا فليوقد نارين ولينظر هل تطفئ إحداهما الأخرى وإنما يطفئ الخير الشر كما يطفئ الماء النار . وقال جعفر بن محمد : كفاك من اللّه نصرا أن ترى عدوّك يعصي اللّه فيك . وقال بعض الحكماء : بالسيرة العادلة يقهر المعادي وقال البحتري : وأقسم لا أجزيك بالشر مثله * كفى بالذي جازيتني لك جازيا والحال الثالثة أن يكون لئيم الطبع خبيث الأصل قد أغراه لؤم الطبع على سوء الاعتقاد وبعثه خبث الأصل على إتيان الفساد فهو لا يستقبح الشر ولا يكف عن المكروه فهذه الحالة أطمّ « 3 » لأن الإضرار بها أعم ولا سلامة من مثله إلّا بالبعد والانقباض ولا خلاص منه إلّا بالصفح والاعراض فإنه كالسبع الضاري في سوارح الغنم وكالنار المتأججة في يابس الحطب لا يقر بها إلّا تالف ولا يدنو منها إلّا هالك . روى مكحول عن أبي أمامة رضي اللّه عنه

--> ( 1 ) النصفة : اسم من أنصفه ، أي عامله بالعدل والقسط . ( 2 ) واستوعرت : الوعر : ضد السهل . ( 3 ) أطم : أشد طامة وداهية من طم الشيء إذا كثر حتى علا وغلب .